لماذا قد يتقبل السوريون إعادة العلاقات مع روسيا ويرفضون العلاقة مع إيران وأذرعها بشكل كامل؟

لماذا يبدو الانفتاح على روسيا مقبولاً سياسياً، بل وحتى شعبياً لدى السوريين، مع ما يبدو “تناسياً” لتدخلها المشؤوم ضد حرية الشعب السوري، برغم التكلفة الباهظة التي تكبدتها سوريا، شعباً ووطناً، من ذلك التدخل؛ بينما يبقى التدخل الإيراني في سوريا ودول الجوار خلال العقود الماضية حاضراً في وجدان السوريين، ويرفضون أي بوادر تسوية مع الجانب الإيراني؟ أو حتى التعاطف مع ما تمر به إيران نتيجة انسخلاها من عمق محيطها الإسلامي نتيجة عقيدتها المتمثلة في ولاية الفقيه وتصدير الثورة.

إجابة هذا التساؤل تحتاج إلى التجرد من الموقف المسبق، وفهم عميق وتحليل دقيق لمسوغات وآثار تدخل كل من الطرفين من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لذلك نحن بحاجة إلى عرضٍ تفصيلي للفارق الكبير بين مسوغات التدخل وآثاره وأبعاده.

تحاول هذه المقالة استعراض مسوغات التدخلين الروسي والإيراني، وبيان الفوارق بين أهداف كلٍ منهما وأساليبه وآثاره. في محاولة الإجابة عن السؤال: هل صحيح أن كلا التدخلين يشتركان في مستوى الإجرام الذي تعرض له الشعب السوري؟

أهم النقاط التي يمكن عرضها لجعل موقف الشعب السوري ليس فقط وجهة نظر تقبل الرفض أو التفهم من قِبَلِ البعض، بل بوصفه الموقف الأكثر أخلاقية مقارنةً بموقف مدّعي الحكمة وبعد النظر وطول الباع في السياسة، ممن يطالبون الشعب السوري بنسيان جرائم ملالي طهران وأذرعهم في المنطقة والعالم أسوة بتقبلهم أو صمتهم عن انفتاح الدولة السورية الجديدة على روسيا.

1. طبيعة الوجود (دولة أم ميليشيا)

روسيا، رغم تدخلها السيئ لدعم النظام البائد خلال العقد الأخير، فإن ذلك التدخل (في سياق النظام العالمي الذي نعيشه مع الأسف) كان ضمن سلوكيات “دولة عظمى” تبحث عن توسيع نطاق تأثيرها عبر إنشاء “قواعد عسكرية” برية وبحرية في منطقة الشرق الأوسط، وتحقيق مصالح “جيوسياسية” للدولة الروسية، من خلال حصولها على موطئ قدم عسكري في البحر الأبيض المتوسط؛ وإن كان ذلك عبر الاتفاق مع نظام دكتاتوري قاتل، بل ومشاركته في تلك الجرائم ومن خلال اتفاقات سرية بين الدول العظمى، يدفع عادة ثمنها الشعوب.

يندرج هذا النوع من التدخل ضمن النفوذ العسكري التقليدي الذي تمارسه الدول الكبرى عبر أدوات الدولة المعروفة: قواعد عسكرية، اتفاقيات أمنية، حضور عسكري رسمي، وعلاقات مباشرة مع السلطة القائمة. وهذا النمط من النفوذ، على خطورته، يبقى مرتبطاً بوجود عسكري واضح وقابل -نظرياً على الأقل- لإعادة التفاوض أو الانسحاب ضمن تغير موازين القوى أو تبدل الأنظمة.

أما إيران، فهي دولة إقليمية تسعى إلى “تصدير الثورة” عبر إنشاء وتعزيز نموذج “الدولة الموازية”. ولتحقيق ذلك تزرع إيران ميليشيات منضوية تحت عباءتها العقائدية (ولاية الفقيه، تصدير الثورة، التمويل الخارجي غير المراقب، والولاء المطلق لها). تعمل هذه الأذرع المدعومة منها على إضعاف جيش تلك الدولة، والهيمنة على الشعب، وانتهاك السيادة الوطنية، بحيث تصبح إيران صاحب القرار الفعلي في ذلك البلد (سوريا ولبنان والعراق واليمن مثلاً).

وهنا يظهر الفارق البنيوي الأهم: فإيران لا تعتمد أساساً على النفوذ العسكري التقليدي، بل على حروب الوكلاء (Proxy Warfare) عبر تشكيل ميليشيات موازية لمؤسسات الدولة. هذه الميليشيات لا تكتفي بالقتال، بل تتغلغل في السياسة والاقتصاد والمجتمع، ما يجعل نفوذها جزءاً من البنية الداخلية للدولة نفسها.

لهذا السبب يصبح هذا النوع من النفوذ أكثر تعقيداً في التفكيك؛ لأنه لا يقوم على قواعد عسكرية يمكن إغلاقها أو قوات يمكن سحبها، بل على شبكات عسكرية وسياسية ومالية مدمجة في بنية الدولة والمجتمع. وعند غياب الدولة القوية القادرة على احتكار القوة، تستفرد تلك الأذرع بالسلاح والقرار، وتتحول إلى سلطة فعلية تعمل فوق القانون. ويصبح استئصال هذا التدخل أقرب ما يكون إلى استئصال ورمٍ مستشرٍ من جسد سقيم، لا يمكنه التعافي قبل استئصال ذلك الورم الذي اختلط في أعضاء الجسد.

2. الهوية والنسيج الاجتماعي

روسيا لم تنفذ أو ترعَ مشروعاً منظماً لتغيير هوية السوريين أو معتقداتهم؛ فلم تقم بتشجيع السوريين على الانضواء تحت عباءتها دينياً أو طائفياً، ولا بحملات “التبشير” المنظمة ومنح “رواتب” لمن يغير دينه أو مذهبه إلى مذهبها أو دينها، ولا بإساءة مباشرة وواسعة وواضحة تجاه المجتمع ومقدساته، كهدم المساجد وتدنيسها وتخريب المصاحف والاعتداء على المواطنين، ولا بمحاولة إعادة تشكيل البنية السكانية للمجتمع السوري والتفاخر بالتسبب بنزوحه ومعاناته الطويلة، و”رحلة الموت على القوارب في البحر” كما فعلت ميليشيات إيران و”حزب الله” في محافظات سوريا، بل وحتى على لسان زعيمه حسن نصر الله.

في المقابل، يرتكز المشروع الإيراني في المنطقة على ما يمكن تسميته “التغلغل المجتمعي والثقافي”، إلى جانب بناء شبكات عسكرية موازية للدولة. ويترافق هذا التغلغل مع سياسات يُنظر إليها في كثير من الدراسات بوصفها محاولة لـ إعادة تشكيل التوازنات الديموغرافية في بعض المناطق، سواء عبر توطين عناصر الميليشيات الحليفة، أو عبر شبكات شراء العقارات والتمدد الاجتماعي في البيئات الهشة، وحملات الدعوة للعقيدة الاثنى عشرية وولاية الفقيه، وتمويل رواتب للأفراد والعائلات التي قبلت اعتناق تلك العقيدة، ومشاريع بناء الحسينيات في مناطق ومدن سورية متعددة عرفت طويلاً أنها تخلو من “المتاولة” أو “الشيعة”.

وقد يكون أمراً غير منتشر أن مسألة التغيير الديمغرافي في سوريا ولبنان أثيرت مراراً في تقارير بحثية عدة تناولت عمليات التغيير السكاني في سوريا بعد عام 2011، وكذلك في النقاشات اللبنانية حول مرسوم التجنيس لعام 1994 خلال فترة الوصاية السورية (نظام حافظ أسد البائد)، الأمر الذي أدى إلى منح الجنسية اللبنانية لما يقرب من 300 ألف شخص!

كما يعاني الشعب السوري من الكثير من ملفات الفساد وسرقة الأملاك التي أعقبت إصدار النظام البائد القانون رقم 10 الذي ينظم مصادرة أملاك المهجرين السوريين (السوري الغير مقيم في سوريا)، وتمليكها للمجنسين الجدد!. وما تزال مؤسسات الدولة السورية الجديدة تسعى لإيجاد حلول عادلة للمواطنين السوريين المتضررين من آثار التدخل في هذا الملف، كما تسعى إلى مراجعة ملفات التجنيس “غير القانونية” وسحب الجنسية التي أصدرها نظام البعث البائد بهدف تغيير التركيبة السكانية في سوريا، منطلقين من مقولة المجرم الفار بشار “إن الوطن ليس لمن يسكن فيه أو يحمل جنسيته وجواز سفره بل لمن يدافع عنه ويحميه”.

لهذا يرى كثير من السوريين أن هذا النوع من التغلغل يتجاوز مجرد النفوذ السياسي أو العسكري، ليمسّ الهوية الاجتماعية والبنية السكانية نفسها بطريقة غير قابلة للتراجع أو الحل بسهولة، وهو ما يفسر الحساسية الشديدة تجاه المشروع الإيراني مقارنة بغيره من أشكال التدخل الخارجي.

3. تفاهمات دعم الاستقرار والتصعيد الميداني

الوجود الروسي يتحجج بأن تدخله جاء في سياق تفاهمات دولية وجهود أممية لفرض ترتيبات سياسية في الملف السوري ومكافحة ما يسمى “الإرهاب” (نعدّها نحن السوريين ظالمة ومجحفة وقاسية، وقدمت المساعدة لنظام الإرهاب والمخدرات)، لكنها تبقى ــ في النهاية ــ جزءاً من تخاذل المجتمع الدولي تجاه القضية السورية وترك سوريا كمنطقة سيطرة روسية لضبط إيقاع الأحداث بناء على ما يراه “الضامن الروسي” وما اعتبر جهود روسيا الدبلوماسية وفرض مناطق خفض التصعيد (التي تضرر منها الشعب السوري كثيراً، واستغلها النظام البائد بتسهيل روسي لقضم المناطق المحررة الواحدة تلو الأخرى).

أما التدخل الإيراني فقد جرى خارج الأطر القانونية والدستورية السورية والدولية، وحوّل الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ومنطلقاً لاعتداءات متبادلة بين أطراف متعددة، بحيث دفع السوريون ثمن تلك الاعتداءات، بينما بقيت الأراضي والقوات الإيرانية في منأى عن تبعات تلك المواجهات. لقد عانى السوريون كثيراً من عدم القدرة على تحديد ماهية التدخل الإيراني وحدوده، وما هي القيادات التي تسيطر على الوضع في سوريا. واستفزهم النظام الإيراني كثيراً بزيارات ميدانية لشخصيات مرفوضة كقاسم سليماني لمناطق “نفوذ إيران” في سوريا.

4. منطق “الشراكة” و “التبعية”

يمكن النظر إلى العلاقة مع روسيا بوصفها علاقة بين دولتين: اتفاقيات، دبلوماسية، ومصالح عسكرية واقتصادية. وهي علاقة (مهما بلغت حدّتها) تبقى قابلة لإعادة التفاوض مستقبلاً ضمن منطق العلاقات الدولية ما دام هناك احترام متبادل واعتراف بحق الشعب السوري والقيادة السورية بفرض هيمنتها وسيطرتها على كامل التراب السوري ووجوب خضوع جميع الكيانات والأفراد والمؤسسات داخل الدولة السورية للقانون، ورفض السلاح خارج مؤسسات الدولة السورية.

أما التغلغل الإيراني فهو ذو طبيعة عقائدية عابرة للحدود، يسعى إلى إفشال سوريا كدولة وشعب، والسيطرة على موارده البشرية والطبيعية والاقتصادية، وإخضاع الدولة لسيطرة الميليشيات المسلحة العاملة لصالح إيديولوجيا إيران، الأمر الذي يجعل فكّ الارتباط بها مستقبلاً أكثر تعقيداً وصعوبة.

الخلاصة

يدرك السوريون أن السياسة هي فن الممكن، لكنهم يفرّقون بين حليف طامع يمكن التفاهم معه ضمن ميزان المصالح، وبين مشروع إيران الأيديولوجي الساعي إلى إعادة صياغة بلدان المنطقة من الداخل وتفكيك نسيجها الوطني لتحقيق أهدافه التي تتعارض حكماً مع مصالح شعوب المنطقة العربية وحكوماتها. وبينما كنت اصوغ هذه المقالة، ما تزال شخصيات محسوبة على قيادات إيران تطالب الشعب السوري بتحمّل “تكاليف” تدخلهم المشؤوم في قتل الشعب السوري وتشويهه تحت شعار تحرير فلسطين الذي يمر حصراً على دماء شعوب المنطقة بحسب زعم ملالي إيران وأدواتها في المنطقة.

لذلك يفرق السوريون بين تفهم تدخل روسيا الذي يغلب عليه تحقيق مصالح روسية، ورفض تقبّل المستوى ذاته من النظام الإيراني نظراً لأن التدخل الإيراني هدف ويهدف إلى تفكيك المجتمعات وإحداث تغيير ديموغرافي طويل الأثر وباهظ التكلفة على دول المنطقة. ويبقى موقفنا من إيران موقف رفض وتشكك، خاصة مع مطالبات إيران المستمرة لسوريا بدفع بمبالغ كبيرة تدعي أنها أنفقتها على حماية الشعب السوري وبكائهم على أطلال سيطرتهم الدموية على سوريا ولبنان! فمن جرب المجرب فعقله مخرب، ولا يلدغ مؤمن من جحر مرتين!




المزيد من المقالات ذات الصلة؟

فيما يلي بعض المقالات ذات الصلة التي قد ترغب في قراءتها:

  • الانضباط الذاتي: رحلة تبدأ بخطوة ولا تنتهي إلا بتحقيق الذات
  • انتقاء الأصحاب وأثره على نجاحك
  • تغيير إدارة البيئة الافتراضية من Conda إلى Python
  • المجتمعات العربية في دراسات الباحثين الغربيين .. جهل أم تجاهل
  • عوز العلاقات في زمن وسائل التواصل الاجتماعي